بسم الله الرحمن الرحيم
موعد الغسيل اليوم ..أف كم أكره هذه الآلة ...وأنا أنظر إلى تلك الأنابيب التي سيوصلها الطبيب الآن بأوردتي الدموية والأزرار الحمراء والخضراء التي تعلن أنتها مدة الغسيل وبدايته ..أحسب تلك الثلاث الساعات التي يتم لي فيها غسيل دمي من الشوائب التي توقفت كليتيَ عن ترشيحها ...وأنا أنظر إلى دمي كيف يمر عبر تلك الأنابيب إلى كليتي الاصطناعية ويعود مرة ثانية إلى جسدي .. أف كم أكره تلك الساعات التي يتم لي فيها الغسيل ...
انتهى الغسيل وعاد جسدي كما هو نحيف وكأنني من الذين يعانون المجاعة ..حان وقت الفطور ...يا الهي ..هل لي أن آكل هذا الطعام ...نعم يجب علي أن آكله ..وإلا مت من الجوع ..كل لقمة أستسيغها بصعوبة وهي تكاد أن تقف في حلقي وتخنقني ..ولكني أمررها بالماء ..والعصير الذي يجب أن يكون قليل السكر ...وأخيراً جاء عمي ليخبرني بموعد إجراء العملية بعد الفحوصات والنتائج التي تبشرني بأن أمي تستطيع أن تتبرع بأحد كليتيها ...ويجب أن تكون العملية في أقرب وقت ممكن ..وإلا مت ... ساءلت عمي وقد شبعت..أين أمي منذ يومين لم أراها هل هي بخير ...؟ فأجاب نعم هي بخير ... ستأتي بعد لحظات ثم اتبع قولة.. بعد أن تأتي أمك سنذهب خارجا لنغير من جو هذه المستشفى المملة ...فقلت له: أين سنذهب..؟ :فقال : أي مكان تريدين..؟! ...فأجبته : سوف نذهب إلى البحر أولا ثم إلى أي مكان آخر ...وقلت في نفسي لعلها آخر مرة أرى فيها الدنيا وأتعمق نسيم البحر ...و..قاطعني بقولة : هيا ألا تريدين أن تذهبين ..قلت : نعم ...هيا ..أغسلي والبسي.. أنا سوف أحضر أمك من قسم الفحوصات ..دعيني أراك جاهزة ...فقلت بأعلى صوتي حتى يسمعني وقد وصل عند الباب.. حالا.. يا عمي
وبينما كنت البس تنورتي الذهبية والقميص الأبيض... فالذهبي اللون المفضل لدي .. حدثتني نفسي ..هل ستكون أمك بخير ... بعد العملية ؟..ربما تنجح وربما لا ..إذا لم تنجح فأنا ميتة... ميتة ولكن أمي ...انقطع تفكيري بمجيء عمي وأمي ..كان وجهها مشع نورا من الفرحة وهي تقول: أبشري يا فاطمة سوف أعطيك احد كليتي ستعيشين بأذن الله .. ثم هَمت في البكاء فضممتها وأنا أقول لها .. الأعمار بيد الله يا أمي ..لا أحد يأخذ أكثر من يومه ... كانت كلماتي عليها قاسية فأجهشت في البكاء... لا أريد أن ابكي ولكن جعلت دمعتين تتدحرج من مقلتي وأنا أقول: لا تحزنين يا حبيبتي هذا قدري ... ثم ابتعدت عنها قليلاً وإنا أقول لها : أمي لماذا تبكين هيا ...ربما يكتب لي ربي عمر جديدا ثم أعيش طويلا ...وأتزوج وأنجب أولاد وبنات وحينها من إزعاجهم ستشتكين وأنتي تقولين ...أولادك أزعجوني ...أبعديهم عني ...فابتسمت ابتسامه عريضة ممزوجة بالبكاء وهي تمسح دموعها بيديها ..رأيت بصيص أمل في ابتسامتها تلك.. ثم تابعت قولي ..أدعي لي يا أمي ..ثم التفت إلى عمي وهو واقف حابس دموعه يراقبنا...فقلت: هيا ..ألن نذهب ..فابتسم و هز رأسه دون أن ينطق بكلمة ...كأنه يقول : نعم سنذهب...والحزن يملى صدره ...رأيتهم كأنهم هم الذين يهددهم الموت ...ولست أنا.. فحزنت لحزنهم علي ...ولكني مسلمة أمري إلى الله ... أردت أن ينسوني ولو للحظة... فساءلت أمي ما هي إخبار أبي وأخواتي ..هل هم بخير ..إني اشتقت إليهم كثيرا ...فقالت :إنهم يساءلون عنك عندما اتصلت بهم ...ويقولون إنهم يدعون لك بالشفاء .. تساءلت في ذهني ..ماذا يفعلون الآن يا ترى ..؟ ثم ساءلت عمي : متى موعد العملية..؟ أجاب وهو ينظر إلى الشارع أمامه ويراقب السيارات عن يميننا وعن شمالنا ..لم يحددون الموعد ولكنها ستكون قريب ربما في الأسبوع القادم...وأمي بجانبه وهي كل دقيقة تلتفت إلى الخلف تراقبني بجوارحها ....كأنها تقول لي أأنت بخير ...فأرد عليها بابتسامه كلها أمل ...وهكذا... سكوت لا يتكلمون إلا إذا تكلمت أنا فقلت : أمي أريد أن أسمع صوت أحمد والبنات قبل أن اجري العملية ..إني اشتقت إليهم ...فأجابت وهي تتنهد وقد ملى اليأس قلبها.. بتأكيد يا بنيتي ...وستريهم بعد العملية إن شاء الله ...و فجاءه تسلل نسيم البحر عبر النوافذ الأمامية المفتوحة فشممت رائحة البحر الممزوجة برائحة السمك الطازج ...من بعد كيلوا متران فقاطعتها بقولي :وإنا اصفق بيدي كالطفل الفرحان وصلنا البحر ..وصلنا البحر ...ضحكت أمي من سذاجتي ...وعمي كذلك ..كأنهم يقولون : أيحصل لك هذا وأنتي لا تبالين...فقلت في نفسي أنتم لا تعلمون الألم الذي في داخلي ولكني لا أحب أن يحزن علي أحد ...ثم وصلنا الشاطئ ...قبل أن ننزل من السيارة أحسست بألم في جسدي ولكني لم أظهر...جلسنا على الشاطئ مقابلين البحر ونحن نداعب أمواجه برجلينا وأمي بجانبي تفكر...يا الهي ..إلى متى ستفكرين يا أمي... التفكير لا يغير من القدر شيء..زاد الألم وهو يكاد أن يذبحني من شدة...لا أحب أن تراني أتألم .. فوقفت بصعوبة وهي تسألني ماذا بك ..؟..فرددت عليها أني بخير ... ثم تقدمت بعدة خطوات إلى الإمام وأنا استند على كتفها ...ثم قلت لها ألا تعلمين كم هو عظيم هذا البحر ..!! يا أمي ...فكانت تستمع إلي كأنني القي عليها وصية .. ثم تابعت قولي ..إني أراه كالشخص الذي يملك كل معاني الأخلاق...طيب..يعطينا كل شيء طيب وجميل,وفي بوعده إذا أخلصت معه ,حكيم...يتعامل مع الأغبياء بحكمة. صبور يرضى بأي أرض أسكنه ربه فقيرة غنية مسلمة كافرة فهو راض,حنون يحتضن كل شاكي ومهموم فيحكي له حكاياته ,كريم إذا أعطى يجزل ولا يبخل على احد,غني بكل الخيرات ,صادق,مؤمن...ولكنه إذا غضب فلا تلوم إلا نفسك ...لأنه لا يغضب إلا بعد طول حلم ...و..و.... ثم أغمي علي من شدة الألم..فلم أحس بعدها وإلا صوت الأطباء وهم يقولون سنجري لها العملية اليوم...وكأن شيء حصل..وأنا على السرير لم أستطع الحركة...فالتفت يمينا ويساراَ أبحث عن أمي فلم أجدها ...سألتهم أين أمي قالوا لي : في غرفة العمليات ...حينها بكيت بحرقة ...فلم يسعني إلا البكاء....ثم أخذوني إلى غرفة العمليات ...كأنهم يحملوني بنعش إلى قبري وليس بسرير ...جهزوني ...وإنا أكاد أن أعي ما يحصل حوالي...ثم وضعوا غطاء الأوكسجين الشفاف على وجهي عندما شممته كأنني أسافر إلى عالم الخلود...وأنا أتذكر حياتي عندما كنت صغيرة ...ثم .........
فلم أعي ....وإلا على قول عمي لي وهو واضع قناع الوقاية مغطي نصف وجهه الدائري ...مبروك ...نجاح العملية ...لم استوعب ...فهل أبكي أم افرح ...ثم سألته : أين أمي ...قال أمك بخير وهي في العنبر الآخر...جاء الطبيب يسألني كيف تحسين الآن ...فأجبت ..أنني بخير ...ولكني لا أشعر بجسدي ...قال لي : مازالت آثار المخدر فيك لن تزول إلا بعد عدة ساعات ...أنتي بخير لا تقلقي...سألته أيضا ..أين أمي ...؟قال : أمك بخير ...ثم تابعت سؤالي بسؤال آخر ..متى أستطيع أن أراها ...سترينها ولكن ليس الآن ...ساعتها أطمئنت أنها بخير فعلا ...ثم غفوت ...
بينما أنا كذلك ...ذهب عمي إلى أمي يطمئن عليها ...وهكذا صار يتردد علينا كلتانا ... قلت في نفسي الحمد الله إني بخير وأمي كذلك ...ولن أجري الغسيل مرة أخرى ...جاءت أمي وهي تمشي ...وجهها متغير تماما ...عن الذي كنت من قبل ...كان وجهها مشرق كالشمس في الصباح ..فقلت لها أمازحها ...ما هذا الجمال ...أراك شابه بنت خمسة عشرة عاماً..فردت : الحمد الله وهي تكرر الحمد الله ...الحمد الله ...وقد تحسنت صحتي ...ثم التفت إلى عمي فسألته متى سنذهب إلى البيت إني مللت من الجلوس في المستشفى ..؟ إني بخير ...
قال :لن تذهبين حتى تشفى كليتك الجديدة تماما ...ونطمئن على عدم انتكاسك ...ثم سكت ...نظرت إلى أمي ..أواءمت برأسها توافقه الرأي ...
ومرت الأيام...
وبعد شهرين صرح لنا الدكتور بالخروج ...سافرنا بالطائرة رجوعا إلى الوطن سالمين غانمين...وهكذا عشت أتناول أدوية مثبطة للمناعة حتى لا يرفض جسدي العضو الجديد ..عشت حياتي طبيعية..
فكانت الفاجعة...
عندما كانت أختي الصغرى بدت تشتكي مثل ما كنت اشتكي منه عرفت حينها أنها ابتليت بالفشل الكلوي ..يا الهي إنها ما زالت صغيرة ...وهي بنت عنيده ...يا الله ...هل يجب على الموت أن يهددنا ...ذهبنا بها إلى مستشفى المدينة لنعمل لها الفحوصات فأكد لنا الدكتور إنها مصابه بهبوط الكلى الحاد (الفشل الكلوي) كتب لها بعض الأدوية المهدئة للألم ...وحدد لها الطعام الذي يجب تجتنبه وأن تقلل الملح ...الملح هي تعشقه...وربما كان هذا السبب الذي أدى إلى التوقف المفاجئ لوظائف الكلى ...
أصابها ضعف الشهية لقلت الملح في طعامها ..لأنها كانت لا تأكل إلا ووعاء الملح بجانبها ...وكل يوم يزيد الألم حتى الأدوية لا تنفع معها ...وبعد أسبوع ...صار جسدها متورم .. وفي منتصف الليل
أفزعتنا وهي تصيح أمي ألحقيني... ألحقوني يا ناس سأموت ومن شدة الألم كانت تتلوى على الأرض كالأفعى...وهي تشد بيديها على بطنها...... فذكرتني بأيامي الصعبة التي مررت بها ..
قرر لها الدكتور الغسيل ...وبينما هي على السرير ...جلست مع الدكتور : أسأله هل لها أن تسترد عافيتها ..بدون السفر إلى الخارج لتزرع كلية... لأن أختي الصغرى ...و..سكّتُ هنيئة..ثم تابعت قولي ..من أين .. فقاطعني.. بسؤاله : من أين ماذا ..؟ كأنه فهم قصدي ثم قال: لو كانت من قريب سيكون نجاح العملية 90% تقريبا... فلم أرد علية بكلمة
...فكتمت همي...ثم نهضت من مكاني ...واتجهت خارجا أتخبط يمينا وشمالا فلم ادري إلا وأمي تجري خلفي و تنادي بصوتها المشفق فاطمة إلى أين أنت ذاهبة بنيتي تعالي فلم التفت إلى الوراء ولكني توقفت فجاءه ...وانهرت على الأرض فنادت الممرضات اللاتي يتبادلن غرف المرضى...فجرين عندما سمعن الاستغاثة...وحملنني إلى اقرب غرفة خاليه واستدعين الدكتور..فقال : أنه مجرد انهيار عصبي خفيف ويجب علي ألا أتعرض للضغوطات أو إلى أي شيء آخر يؤثر سلبا على صحتها ... فكانت أمي خائفة علي أكثر من خوفها على أختي ...فقالت: ماذا بك يا فاطمة هل أنت بخير ..؟ فقلت: نعم يا أمي إني بخير..ثم سألت ماذا قال الدكتور عن هدى..؟ سكت وجعلتها حائرة وهي تعلم أن هدى مصابة بالفشل الكلوي فعادت وسألتني مرة أخرى ماذا قال الدكتور عن هدى ..؟ أيضا لم أرد عليها ...تركتني وأفزعت إلى غرفة الدكتور لتسأله نفس السؤال فنهضت إليها وألحقتها ثم مسكت بيدها ارجوها إنني سأخبرها فقلت في نفسي ..ليس الأمر غريب عليها ...ثم قلت : لها أمي هدى تحتاج لزرع كلية ..وإلا...فقاطعتني وإلا ستموت أليس كذلك ... ثم تابعت قولي ..أمي ستنجح العملية بنسبة 90% إذا تبرع لها أحد الأقارب .. هكذا اخبرني الدكتور ..نعم يا بنيتي إنها نفس حالتك تقريبا .. نعم يا أمي ولكن علينا الآن أن نفكر في من.. من الأهل سيتبرع لها بالكلية..؟ ..ما رائك بأبي وقد نسيت انه مصاب بالسكر.. كنا نعدد أسماء العائلة ولكن عائلتنا قليلة إذ نحن ثلاثة بنات وولد فأختي الكبرى مصابة بالشلل ماعدا أخي انه المتعافي بيننا ...فقلت لها :سوف اخبر الطبيب أن أحمد سيتبرع لها بالكلية... فقالت: لا انتظري ربما لن يوافق أخيك فتعجبت من قولها ...ثم قلت لها : لماذا يا أمي..؟ سوف تموت اختنا ..فقالت : هذا من حقه.
ثم رجعنا البيت وهدى معنا...وفي نفس اليوم بعد الظهر سألت أمي أحمد إن كان سيتبرع لهدى بإحدى كليتيه..؟ فلم يمانع بل قال: وهو يشير بيده إلى جنبه الأيمن وكان متحمس جدا... أختي سأفديها بروحي ...فهي من لحمي ودمي .. أغرورقت عينا أمي بالدموع من سماع كلماته وصارت تدعوا له بجميع الدعوات وكنت جالسة معهم... فأشرق نور الأمل في قولبنا .وفي الليل .. أسرعنا لعمل له الفحوصات في مستشفى البلاد.. فكتب لنا الدكتور تقرير عن الحالة و السفر إلى الخارج. ونتيجة الفحوصات كانت مطابقة وكل شيء مناسب للعملية والزرع ..وفي الصباح حجزنا أول طائرة تسافر إلى الخارج فكان موعد السفر بعد ثلاثة أيام.. فكنت انتظر موعد السفر بفارغ الصبر وأمي كذلك ..الحمد الله أخيرا سترتاح من الغسيل ومن الألم .
ولكن ...
الصدمة ..عندما رفض جدي العملية وقال: العملية خسارة فيها.. هي بنت وهو ولد لا تضيعون مستقبله من اجلها دعوها تموت وأيضا تحجج بقوله :وهي ما زالت صغيرة ليس عليها ذنوب .. فقلت:وقد علا صوتي نريدها أن تعيش نحن من يحتاجها إنها طفلة والحياة أمامها لماذا نتركها تموت ونحن نقدر على أن نمنع ذلك سنحاول والأعمار بيد الله.. نعم مهما فعلنا ولكن لا نريد أن نندم طول العمر على فقدانها لا سمح الله هذا من قدره علينا ولكن لن نيأس.. ثم أدبرت من عند ذو القلب القاسي كما سميته نعم فهو كذلك . ووقفت عند الباب و قلت له :بصوت يكاد يسمعني ... ارجوا أن تعود في كلمتك لأن السفر سيكون بعد ثلاثة أيام .. ..فهو ساكن عندنا في غرفته الصغيرة التي يملؤها السكينة والوقار فتركت الباب مفتوح خلفي بالغرم إنه لا يفضله كذلك أبدا وكانت أختي في الغرفة المجاورة..وكنت في ثورة غضبي ثم جلست في غرفة المعيشة وإنا أقول في نفسي أنه مهما رفض العملية سوف نجريها لها مهما كلف الأمر الأهم أن أخي موافق ..
جاءت هدى تتساءل عن غضبي وصراخي مع جدي ووجهها متغير كأنها سمعت تهديد وهي تحاول أن تخفي ذلك بابتسامتها.. فقلت في نفسي ربما سمعت شيء من الحديث الذي دار بيننا..فتلعثمت بردي.. لا شيء لا شيء ولكن حالي معكر في هذه الأيام ... جلست بجانبي وتناولت الريموت من على الطاولة وشغلت التلفزيون تقلب القنوات حتى إنها لا تستطيع أن تستقر على قناة .. ثم قالت: وهي تتأفف.. جميع القنوات تتشابه اليوم تغطيها الإعلانات أكثر من البرامج ..ثم نظرت إلى الساعة .... وقالت :سوف يبدءا برنامجي المفضل ....هذا البرنامج الوحيد الذي أعجبني من جميع البرامج . فلم أرد عليها غير إني تمتمت بقولي..حياتك على المحك يا أختي .. وهي توهمني إنها غير مبالية ولسان حالها يقول: أدري عن ماذا كنت تناقشين جدي.. ثم غفوت على الكنبة وقد بداء البرنامج ...حتى دخل أحمد من الباب وهو يقول: ماذا تشاهدين يا هدى ..؟ ولماذا فاطمة نائمة هنا ..؟ لماذا لم تدخل غرفتها ..؟ فلم ترد عليه.. فكانت منغمسة في مشاهدة برنامجها المفضل ...ثم تقرب إلي ووقف عند رأسي وقال: هيا إلى حجرتك .. فرفعت رأسي إليه وقلت: لا أريد أن أنام ...فرد قائلا: أراك ناعسة.. هيا إلى فراشك ...وأنا سأجلس عند هدى ...فقالت: هدى لا إني بخير استطيع أن تدبر أموري ...كأنهما لم يسمعاها ..ذهبت فاطمة إلى غرفتها لتنام لتريح نفسها من التفكير ولكن الهم أبو التفكير.. فأنا لتفكير أن يذهب ..ثم جلس احمد بجانب هدى ..لأنها تتعب..وأحيانا تسرق الملح من المطبخ فتضعه في طعامها وهي تدري انه مضر بصحتها ... وبعد ساعة نامت هدى وهي تشاهد برنامجها... فقام أحمد وأغلق التلفزيون وحملها إلى حجرتها فوزنها لم يتعدى الأربعين ووضعها في السرير...
وفي اليوم التالي اضطرت أمي أن تزور أخيها ..وقد جاء من السفر وكان البيت بعيدا ..وإنها سوف تتأخر وكان أحمد معها ...فبقينا أنا وهي وجدي في البيت أما أختي الكبرى لا تنفعنا بشيء إذ إنها تذهب إلى حمامها الخاص زحفا وأحيانا أساعدها ...وفي ذاك اليوم كعادتها تسللت إلى المطبخ وسرقت لها ملح ووضعته في وعاء خاص حتى لا يكشفها أحد لأننا دائما كنا نقول: لها ابتعدي عن الملح..وكان وقت الغداء وهي جالسة في غرفتها أتيت لها بالطعام ثم جلست أمامها على الكرسي ..فقالت: لماذا تراقبينني ...قلت لها وأنا ابتسم.. أريدك أن تأكلين كل هذا الطعام ...فقالت لي : حسنا سوف آكلة كله ولكن لا أريد هذا الماء الحار أحضري لي ماء بارد ... حاضر.. كأنها السيدة وأنا الخادمة ...ذهبت مهرولة إلى المطبخ وأنا أقول في نفسي أنت تأمرين ..فأنا خادمتك حتى تشفين ...بينما كنت في المطبخ ...سحبت وعاء الملح من تحت فراشها ورشته على طعامها بخفة حتى لا أراها .. فأتيت بالماء وكأنها لم تفعل شيء .. فرأيتها تأكل بشراها فقلت لها ...هل أنت جائعة حتى تأكلين هكذا... ردت واللقمة في فمها...كما وعدتك وظلت تأكل حتى أنهت ما في الصحن.....فاتجهت نحو الدولاب وأنا أقول لها انه وقت الدواء ...فقالت: لا أريده... جعلت نفسي كأنني لم أسمعها ثم تقدمت إليها ومددت يدي بالدواء إلى فهما..فمالت وجهها عني وأبعدت يدي عن فمها .. وهي تقول: بصوت مختنق ...لا أريد... إني أريد أن أموت ...إنني سوف أموت...لا أريد أحمد أن ينزع كليته من جسده ليعطيني إياها لأنني ميتة.. حتى لو فعل ذلك .. فقلت: لها والعبرة تخنقني ..ثم ضحكت من قولها أكذب ما أسمع.. وأنا أقول: ماذا تقولين..؟ غدا موعد السفر ...وستعملين العملية وستنجح إن شاء الله .. أنا عندك اقرب مثال ..أعيش على كلية مستعارة والحمد الله ..لا تيأسين..ثم جلست بجانبها أحتضنها وهي تردد ..سأموت... وسفري قريب فكانت تهذي ..خيلت إلي إنها ستفارق الحياة للحظة ...هدهدت عليها وكانت توصي بالمال الموروث أن نتصدق به إلى الفقراء والمساكين ..فتقول: مالي الموروث تصدقوا به وملابسي وزعوها على الفقراء ولعبي كذلك ..فكنت ارتجف والدموع تسيل دون توقف فلم استطع أن أتمالك نفسي .. فرفعت رأسي إلى السماء وادعوا الله أن يعافيها ...إنها تهذي ..يا الله ماذا سأفعل لا أحد في البيت يا الله ..لا نريدها أن تموت ..ثم سكتت..فنظرت اليها ويدي على خدها ماذا بك يا هدى ...؟فلم ترد علي بكلمة...واستلقت على السرير...فقلت: دواءك يا هدى.. أيضا لم ترد علي ..فأسرعت إلى جدي وأنا اطرق الباب وأنادي بصوت خائف مرتجف ..نريد أن نذهب بهدى إلى المستشفى إني لا أراها بخير إنها... كانت تهذي...ففتح الباب وكان يستمع إلي بهدوء فلم فلم يحرك ساكن غير إنه قال : أين هي الآن .. في غرفتها ..لا أعلم هل هي نائمة أم ...فسكت ...وأمسكت بذراعه واتجهت به إلى غرفتها المجاورة دخلنا الغرفة ووضع يده على جبينها وكان يتحسسها ...وأنا واقفة انتظر ماذا سيقول: فقال : إنها بخير وهي نائمة ...و رجع إلى غرفة ... فلم استطع أن انتظر فاتصلت بأمي لتأتي ألينا ولكن دون أن اخبرها بما صار معي..قلقت المسكينة من اتصالي المفاجئ ...ولكني حاولت ألا أرعبها ..وما هي إلاَ ساعة و هي عند الباب...فدخلت مهرولة إلى غرفتها ثم دخلت خلفها وأنا أقول لها : إنها نائمة.. ولكن أليس علينا أن نذهب بها إلى المستشفى ...فقالت: وهي واضعة يدها الحانية على جسدها تتحسسه ..بلى إنها مصابة بالحمى.. ألم تتناول دواءها ..لا يا أمي إنها رفضت..و..
اتصلت أمي على الدكتور تسأله إن كنا نستطيع إحضارها إلى المستشفى ..فقال:هل تنتظرون أن تستأذنون مني مادامت فيها الحمى فحالتها خطيرة ...هيا أسرعوا بها دون تأخير...أغلقت أمي السماعة ووجهها وكأن الدكتور أخبرها بموت أختي ...وهي تقول:حالتها خطيرة ....أختك تحتضر يا فاطمة.
توجهت كي أوقظها...فوجدتها والدموع تسيل من عينيها الناعستين والصمت يعبر عن حالتها...وأمي خلفي تراقبني ..وأحمد متسمر في مكانه ...فصرخت علية ..ليحملها إلى السيارة ...فكان واقف كالأبله ..ثم حملها إلى السيارة ...ونحن نتبعه ...وذهبنا بها مسرعين إلى المستشفى ...وفي منتصف الطريق...فاقت روحها إلى بارئها وهي تبتسم كأنها تقول ..لقد ارتحت ألآن..
موعد الغسيل اليوم ..أف كم أكره هذه الآلة ...وأنا أنظر إلى تلك الأنابيب التي سيوصلها الطبيب الآن بأوردتي الدموية والأزرار الحمراء والخضراء التي تعلن أنتها مدة الغسيل وبدايته ..أحسب تلك الثلاث الساعات التي يتم لي فيها غسيل دمي من الشوائب التي توقفت كليتيَ عن ترشيحها ...وأنا أنظر إلى دمي كيف يمر عبر تلك الأنابيب إلى كليتي الاصطناعية ويعود مرة ثانية إلى جسدي .. أف كم أكره تلك الساعات التي يتم لي فيها الغسيل ...
انتهى الغسيل وعاد جسدي كما هو نحيف وكأنني من الذين يعانون المجاعة ..حان وقت الفطور ...يا الهي ..هل لي أن آكل هذا الطعام ...نعم يجب علي أن آكله ..وإلا مت من الجوع ..كل لقمة أستسيغها بصعوبة وهي تكاد أن تقف في حلقي وتخنقني ..ولكني أمررها بالماء ..والعصير الذي يجب أن يكون قليل السكر ...وأخيراً جاء عمي ليخبرني بموعد إجراء العملية بعد الفحوصات والنتائج التي تبشرني بأن أمي تستطيع أن تتبرع بأحد كليتيها ...ويجب أن تكون العملية في أقرب وقت ممكن ..وإلا مت ... ساءلت عمي وقد شبعت..أين أمي منذ يومين لم أراها هل هي بخير ...؟ فأجاب نعم هي بخير ... ستأتي بعد لحظات ثم اتبع قولة.. بعد أن تأتي أمك سنذهب خارجا لنغير من جو هذه المستشفى المملة ...فقلت له: أين سنذهب..؟ :فقال : أي مكان تريدين..؟! ...فأجبته : سوف نذهب إلى البحر أولا ثم إلى أي مكان آخر ...وقلت في نفسي لعلها آخر مرة أرى فيها الدنيا وأتعمق نسيم البحر ...و..قاطعني بقولة : هيا ألا تريدين أن تذهبين ..قلت : نعم ...هيا ..أغسلي والبسي.. أنا سوف أحضر أمك من قسم الفحوصات ..دعيني أراك جاهزة ...فقلت بأعلى صوتي حتى يسمعني وقد وصل عند الباب.. حالا.. يا عمي
وبينما كنت البس تنورتي الذهبية والقميص الأبيض... فالذهبي اللون المفضل لدي .. حدثتني نفسي ..هل ستكون أمك بخير ... بعد العملية ؟..ربما تنجح وربما لا ..إذا لم تنجح فأنا ميتة... ميتة ولكن أمي ...انقطع تفكيري بمجيء عمي وأمي ..كان وجهها مشع نورا من الفرحة وهي تقول: أبشري يا فاطمة سوف أعطيك احد كليتي ستعيشين بأذن الله .. ثم هَمت في البكاء فضممتها وأنا أقول لها .. الأعمار بيد الله يا أمي ..لا أحد يأخذ أكثر من يومه ... كانت كلماتي عليها قاسية فأجهشت في البكاء... لا أريد أن ابكي ولكن جعلت دمعتين تتدحرج من مقلتي وأنا أقول: لا تحزنين يا حبيبتي هذا قدري ... ثم ابتعدت عنها قليلاً وإنا أقول لها : أمي لماذا تبكين هيا ...ربما يكتب لي ربي عمر جديدا ثم أعيش طويلا ...وأتزوج وأنجب أولاد وبنات وحينها من إزعاجهم ستشتكين وأنتي تقولين ...أولادك أزعجوني ...أبعديهم عني ...فابتسمت ابتسامه عريضة ممزوجة بالبكاء وهي تمسح دموعها بيديها ..رأيت بصيص أمل في ابتسامتها تلك.. ثم تابعت قولي ..أدعي لي يا أمي ..ثم التفت إلى عمي وهو واقف حابس دموعه يراقبنا...فقلت: هيا ..ألن نذهب ..فابتسم و هز رأسه دون أن ينطق بكلمة ...كأنه يقول : نعم سنذهب...والحزن يملى صدره ...رأيتهم كأنهم هم الذين يهددهم الموت ...ولست أنا.. فحزنت لحزنهم علي ...ولكني مسلمة أمري إلى الله ... أردت أن ينسوني ولو للحظة... فساءلت أمي ما هي إخبار أبي وأخواتي ..هل هم بخير ..إني اشتقت إليهم كثيرا ...فقالت :إنهم يساءلون عنك عندما اتصلت بهم ...ويقولون إنهم يدعون لك بالشفاء .. تساءلت في ذهني ..ماذا يفعلون الآن يا ترى ..؟ ثم ساءلت عمي : متى موعد العملية..؟ أجاب وهو ينظر إلى الشارع أمامه ويراقب السيارات عن يميننا وعن شمالنا ..لم يحددون الموعد ولكنها ستكون قريب ربما في الأسبوع القادم...وأمي بجانبه وهي كل دقيقة تلتفت إلى الخلف تراقبني بجوارحها ....كأنها تقول لي أأنت بخير ...فأرد عليها بابتسامه كلها أمل ...وهكذا... سكوت لا يتكلمون إلا إذا تكلمت أنا فقلت : أمي أريد أن أسمع صوت أحمد والبنات قبل أن اجري العملية ..إني اشتقت إليهم ...فأجابت وهي تتنهد وقد ملى اليأس قلبها.. بتأكيد يا بنيتي ...وستريهم بعد العملية إن شاء الله ...و فجاءه تسلل نسيم البحر عبر النوافذ الأمامية المفتوحة فشممت رائحة البحر الممزوجة برائحة السمك الطازج ...من بعد كيلوا متران فقاطعتها بقولي :وإنا اصفق بيدي كالطفل الفرحان وصلنا البحر ..وصلنا البحر ...ضحكت أمي من سذاجتي ...وعمي كذلك ..كأنهم يقولون : أيحصل لك هذا وأنتي لا تبالين...فقلت في نفسي أنتم لا تعلمون الألم الذي في داخلي ولكني لا أحب أن يحزن علي أحد ...ثم وصلنا الشاطئ ...قبل أن ننزل من السيارة أحسست بألم في جسدي ولكني لم أظهر...جلسنا على الشاطئ مقابلين البحر ونحن نداعب أمواجه برجلينا وأمي بجانبي تفكر...يا الهي ..إلى متى ستفكرين يا أمي... التفكير لا يغير من القدر شيء..زاد الألم وهو يكاد أن يذبحني من شدة...لا أحب أن تراني أتألم .. فوقفت بصعوبة وهي تسألني ماذا بك ..؟..فرددت عليها أني بخير ... ثم تقدمت بعدة خطوات إلى الإمام وأنا استند على كتفها ...ثم قلت لها ألا تعلمين كم هو عظيم هذا البحر ..!! يا أمي ...فكانت تستمع إلي كأنني القي عليها وصية .. ثم تابعت قولي ..إني أراه كالشخص الذي يملك كل معاني الأخلاق...طيب..يعطينا كل شيء طيب وجميل,وفي بوعده إذا أخلصت معه ,حكيم...يتعامل مع الأغبياء بحكمة. صبور يرضى بأي أرض أسكنه ربه فقيرة غنية مسلمة كافرة فهو راض,حنون يحتضن كل شاكي ومهموم فيحكي له حكاياته ,كريم إذا أعطى يجزل ولا يبخل على احد,غني بكل الخيرات ,صادق,مؤمن...ولكنه إذا غضب فلا تلوم إلا نفسك ...لأنه لا يغضب إلا بعد طول حلم ...و..و.... ثم أغمي علي من شدة الألم..فلم أحس بعدها وإلا صوت الأطباء وهم يقولون سنجري لها العملية اليوم...وكأن شيء حصل..وأنا على السرير لم أستطع الحركة...فالتفت يمينا ويساراَ أبحث عن أمي فلم أجدها ...سألتهم أين أمي قالوا لي : في غرفة العمليات ...حينها بكيت بحرقة ...فلم يسعني إلا البكاء....ثم أخذوني إلى غرفة العمليات ...كأنهم يحملوني بنعش إلى قبري وليس بسرير ...جهزوني ...وإنا أكاد أن أعي ما يحصل حوالي...ثم وضعوا غطاء الأوكسجين الشفاف على وجهي عندما شممته كأنني أسافر إلى عالم الخلود...وأنا أتذكر حياتي عندما كنت صغيرة ...ثم .........
فلم أعي ....وإلا على قول عمي لي وهو واضع قناع الوقاية مغطي نصف وجهه الدائري ...مبروك ...نجاح العملية ...لم استوعب ...فهل أبكي أم افرح ...ثم سألته : أين أمي ...قال أمك بخير وهي في العنبر الآخر...جاء الطبيب يسألني كيف تحسين الآن ...فأجبت ..أنني بخير ...ولكني لا أشعر بجسدي ...قال لي : مازالت آثار المخدر فيك لن تزول إلا بعد عدة ساعات ...أنتي بخير لا تقلقي...سألته أيضا ..أين أمي ...؟قال : أمك بخير ...ثم تابعت سؤالي بسؤال آخر ..متى أستطيع أن أراها ...سترينها ولكن ليس الآن ...ساعتها أطمئنت أنها بخير فعلا ...ثم غفوت ...
بينما أنا كذلك ...ذهب عمي إلى أمي يطمئن عليها ...وهكذا صار يتردد علينا كلتانا ... قلت في نفسي الحمد الله إني بخير وأمي كذلك ...ولن أجري الغسيل مرة أخرى ...جاءت أمي وهي تمشي ...وجهها متغير تماما ...عن الذي كنت من قبل ...كان وجهها مشرق كالشمس في الصباح ..فقلت لها أمازحها ...ما هذا الجمال ...أراك شابه بنت خمسة عشرة عاماً..فردت : الحمد الله وهي تكرر الحمد الله ...الحمد الله ...وقد تحسنت صحتي ...ثم التفت إلى عمي فسألته متى سنذهب إلى البيت إني مللت من الجلوس في المستشفى ..؟ إني بخير ...
قال :لن تذهبين حتى تشفى كليتك الجديدة تماما ...ونطمئن على عدم انتكاسك ...ثم سكت ...نظرت إلى أمي ..أواءمت برأسها توافقه الرأي ...
ومرت الأيام...
وبعد شهرين صرح لنا الدكتور بالخروج ...سافرنا بالطائرة رجوعا إلى الوطن سالمين غانمين...وهكذا عشت أتناول أدوية مثبطة للمناعة حتى لا يرفض جسدي العضو الجديد ..عشت حياتي طبيعية..
فكانت الفاجعة...
عندما كانت أختي الصغرى بدت تشتكي مثل ما كنت اشتكي منه عرفت حينها أنها ابتليت بالفشل الكلوي ..يا الهي إنها ما زالت صغيرة ...وهي بنت عنيده ...يا الله ...هل يجب على الموت أن يهددنا ...ذهبنا بها إلى مستشفى المدينة لنعمل لها الفحوصات فأكد لنا الدكتور إنها مصابه بهبوط الكلى الحاد (الفشل الكلوي) كتب لها بعض الأدوية المهدئة للألم ...وحدد لها الطعام الذي يجب تجتنبه وأن تقلل الملح ...الملح هي تعشقه...وربما كان هذا السبب الذي أدى إلى التوقف المفاجئ لوظائف الكلى ...
أصابها ضعف الشهية لقلت الملح في طعامها ..لأنها كانت لا تأكل إلا ووعاء الملح بجانبها ...وكل يوم يزيد الألم حتى الأدوية لا تنفع معها ...وبعد أسبوع ...صار جسدها متورم .. وفي منتصف الليل
أفزعتنا وهي تصيح أمي ألحقيني... ألحقوني يا ناس سأموت ومن شدة الألم كانت تتلوى على الأرض كالأفعى...وهي تشد بيديها على بطنها...... فذكرتني بأيامي الصعبة التي مررت بها ..
قرر لها الدكتور الغسيل ...وبينما هي على السرير ...جلست مع الدكتور : أسأله هل لها أن تسترد عافيتها ..بدون السفر إلى الخارج لتزرع كلية... لأن أختي الصغرى ...و..سكّتُ هنيئة..ثم تابعت قولي ..من أين .. فقاطعني.. بسؤاله : من أين ماذا ..؟ كأنه فهم قصدي ثم قال: لو كانت من قريب سيكون نجاح العملية 90% تقريبا... فلم أرد علية بكلمة
...فكتمت همي...ثم نهضت من مكاني ...واتجهت خارجا أتخبط يمينا وشمالا فلم ادري إلا وأمي تجري خلفي و تنادي بصوتها المشفق فاطمة إلى أين أنت ذاهبة بنيتي تعالي فلم التفت إلى الوراء ولكني توقفت فجاءه ...وانهرت على الأرض فنادت الممرضات اللاتي يتبادلن غرف المرضى...فجرين عندما سمعن الاستغاثة...وحملنني إلى اقرب غرفة خاليه واستدعين الدكتور..فقال : أنه مجرد انهيار عصبي خفيف ويجب علي ألا أتعرض للضغوطات أو إلى أي شيء آخر يؤثر سلبا على صحتها ... فكانت أمي خائفة علي أكثر من خوفها على أختي ...فقالت: ماذا بك يا فاطمة هل أنت بخير ..؟ فقلت: نعم يا أمي إني بخير..ثم سألت ماذا قال الدكتور عن هدى..؟ سكت وجعلتها حائرة وهي تعلم أن هدى مصابة بالفشل الكلوي فعادت وسألتني مرة أخرى ماذا قال الدكتور عن هدى ..؟ أيضا لم أرد عليها ...تركتني وأفزعت إلى غرفة الدكتور لتسأله نفس السؤال فنهضت إليها وألحقتها ثم مسكت بيدها ارجوها إنني سأخبرها فقلت في نفسي ..ليس الأمر غريب عليها ...ثم قلت : لها أمي هدى تحتاج لزرع كلية ..وإلا...فقاطعتني وإلا ستموت أليس كذلك ... ثم تابعت قولي ..أمي ستنجح العملية بنسبة 90% إذا تبرع لها أحد الأقارب .. هكذا اخبرني الدكتور ..نعم يا بنيتي إنها نفس حالتك تقريبا .. نعم يا أمي ولكن علينا الآن أن نفكر في من.. من الأهل سيتبرع لها بالكلية..؟ ..ما رائك بأبي وقد نسيت انه مصاب بالسكر.. كنا نعدد أسماء العائلة ولكن عائلتنا قليلة إذ نحن ثلاثة بنات وولد فأختي الكبرى مصابة بالشلل ماعدا أخي انه المتعافي بيننا ...فقلت لها :سوف اخبر الطبيب أن أحمد سيتبرع لها بالكلية... فقالت: لا انتظري ربما لن يوافق أخيك فتعجبت من قولها ...ثم قلت لها : لماذا يا أمي..؟ سوف تموت اختنا ..فقالت : هذا من حقه.
ثم رجعنا البيت وهدى معنا...وفي نفس اليوم بعد الظهر سألت أمي أحمد إن كان سيتبرع لهدى بإحدى كليتيه..؟ فلم يمانع بل قال: وهو يشير بيده إلى جنبه الأيمن وكان متحمس جدا... أختي سأفديها بروحي ...فهي من لحمي ودمي .. أغرورقت عينا أمي بالدموع من سماع كلماته وصارت تدعوا له بجميع الدعوات وكنت جالسة معهم... فأشرق نور الأمل في قولبنا .وفي الليل .. أسرعنا لعمل له الفحوصات في مستشفى البلاد.. فكتب لنا الدكتور تقرير عن الحالة و السفر إلى الخارج. ونتيجة الفحوصات كانت مطابقة وكل شيء مناسب للعملية والزرع ..وفي الصباح حجزنا أول طائرة تسافر إلى الخارج فكان موعد السفر بعد ثلاثة أيام.. فكنت انتظر موعد السفر بفارغ الصبر وأمي كذلك ..الحمد الله أخيرا سترتاح من الغسيل ومن الألم .
ولكن ...
الصدمة ..عندما رفض جدي العملية وقال: العملية خسارة فيها.. هي بنت وهو ولد لا تضيعون مستقبله من اجلها دعوها تموت وأيضا تحجج بقوله :وهي ما زالت صغيرة ليس عليها ذنوب .. فقلت:وقد علا صوتي نريدها أن تعيش نحن من يحتاجها إنها طفلة والحياة أمامها لماذا نتركها تموت ونحن نقدر على أن نمنع ذلك سنحاول والأعمار بيد الله.. نعم مهما فعلنا ولكن لا نريد أن نندم طول العمر على فقدانها لا سمح الله هذا من قدره علينا ولكن لن نيأس.. ثم أدبرت من عند ذو القلب القاسي كما سميته نعم فهو كذلك . ووقفت عند الباب و قلت له :بصوت يكاد يسمعني ... ارجوا أن تعود في كلمتك لأن السفر سيكون بعد ثلاثة أيام .. ..فهو ساكن عندنا في غرفته الصغيرة التي يملؤها السكينة والوقار فتركت الباب مفتوح خلفي بالغرم إنه لا يفضله كذلك أبدا وكانت أختي في الغرفة المجاورة..وكنت في ثورة غضبي ثم جلست في غرفة المعيشة وإنا أقول في نفسي أنه مهما رفض العملية سوف نجريها لها مهما كلف الأمر الأهم أن أخي موافق ..
جاءت هدى تتساءل عن غضبي وصراخي مع جدي ووجهها متغير كأنها سمعت تهديد وهي تحاول أن تخفي ذلك بابتسامتها.. فقلت في نفسي ربما سمعت شيء من الحديث الذي دار بيننا..فتلعثمت بردي.. لا شيء لا شيء ولكن حالي معكر في هذه الأيام ... جلست بجانبي وتناولت الريموت من على الطاولة وشغلت التلفزيون تقلب القنوات حتى إنها لا تستطيع أن تستقر على قناة .. ثم قالت: وهي تتأفف.. جميع القنوات تتشابه اليوم تغطيها الإعلانات أكثر من البرامج ..ثم نظرت إلى الساعة .... وقالت :سوف يبدءا برنامجي المفضل ....هذا البرنامج الوحيد الذي أعجبني من جميع البرامج . فلم أرد عليها غير إني تمتمت بقولي..حياتك على المحك يا أختي .. وهي توهمني إنها غير مبالية ولسان حالها يقول: أدري عن ماذا كنت تناقشين جدي.. ثم غفوت على الكنبة وقد بداء البرنامج ...حتى دخل أحمد من الباب وهو يقول: ماذا تشاهدين يا هدى ..؟ ولماذا فاطمة نائمة هنا ..؟ لماذا لم تدخل غرفتها ..؟ فلم ترد عليه.. فكانت منغمسة في مشاهدة برنامجها المفضل ...ثم تقرب إلي ووقف عند رأسي وقال: هيا إلى حجرتك .. فرفعت رأسي إليه وقلت: لا أريد أن أنام ...فرد قائلا: أراك ناعسة.. هيا إلى فراشك ...وأنا سأجلس عند هدى ...فقالت: هدى لا إني بخير استطيع أن تدبر أموري ...كأنهما لم يسمعاها ..ذهبت فاطمة إلى غرفتها لتنام لتريح نفسها من التفكير ولكن الهم أبو التفكير.. فأنا لتفكير أن يذهب ..ثم جلس احمد بجانب هدى ..لأنها تتعب..وأحيانا تسرق الملح من المطبخ فتضعه في طعامها وهي تدري انه مضر بصحتها ... وبعد ساعة نامت هدى وهي تشاهد برنامجها... فقام أحمد وأغلق التلفزيون وحملها إلى حجرتها فوزنها لم يتعدى الأربعين ووضعها في السرير...
وفي اليوم التالي اضطرت أمي أن تزور أخيها ..وقد جاء من السفر وكان البيت بعيدا ..وإنها سوف تتأخر وكان أحمد معها ...فبقينا أنا وهي وجدي في البيت أما أختي الكبرى لا تنفعنا بشيء إذ إنها تذهب إلى حمامها الخاص زحفا وأحيانا أساعدها ...وفي ذاك اليوم كعادتها تسللت إلى المطبخ وسرقت لها ملح ووضعته في وعاء خاص حتى لا يكشفها أحد لأننا دائما كنا نقول: لها ابتعدي عن الملح..وكان وقت الغداء وهي جالسة في غرفتها أتيت لها بالطعام ثم جلست أمامها على الكرسي ..فقالت: لماذا تراقبينني ...قلت لها وأنا ابتسم.. أريدك أن تأكلين كل هذا الطعام ...فقالت لي : حسنا سوف آكلة كله ولكن لا أريد هذا الماء الحار أحضري لي ماء بارد ... حاضر.. كأنها السيدة وأنا الخادمة ...ذهبت مهرولة إلى المطبخ وأنا أقول في نفسي أنت تأمرين ..فأنا خادمتك حتى تشفين ...بينما كنت في المطبخ ...سحبت وعاء الملح من تحت فراشها ورشته على طعامها بخفة حتى لا أراها .. فأتيت بالماء وكأنها لم تفعل شيء .. فرأيتها تأكل بشراها فقلت لها ...هل أنت جائعة حتى تأكلين هكذا... ردت واللقمة في فمها...كما وعدتك وظلت تأكل حتى أنهت ما في الصحن.....فاتجهت نحو الدولاب وأنا أقول لها انه وقت الدواء ...فقالت: لا أريده... جعلت نفسي كأنني لم أسمعها ثم تقدمت إليها ومددت يدي بالدواء إلى فهما..فمالت وجهها عني وأبعدت يدي عن فمها .. وهي تقول: بصوت مختنق ...لا أريد... إني أريد أن أموت ...إنني سوف أموت...لا أريد أحمد أن ينزع كليته من جسده ليعطيني إياها لأنني ميتة.. حتى لو فعل ذلك .. فقلت: لها والعبرة تخنقني ..ثم ضحكت من قولها أكذب ما أسمع.. وأنا أقول: ماذا تقولين..؟ غدا موعد السفر ...وستعملين العملية وستنجح إن شاء الله .. أنا عندك اقرب مثال ..أعيش على كلية مستعارة والحمد الله ..لا تيأسين..ثم جلست بجانبها أحتضنها وهي تردد ..سأموت... وسفري قريب فكانت تهذي ..خيلت إلي إنها ستفارق الحياة للحظة ...هدهدت عليها وكانت توصي بالمال الموروث أن نتصدق به إلى الفقراء والمساكين ..فتقول: مالي الموروث تصدقوا به وملابسي وزعوها على الفقراء ولعبي كذلك ..فكنت ارتجف والدموع تسيل دون توقف فلم استطع أن أتمالك نفسي .. فرفعت رأسي إلى السماء وادعوا الله أن يعافيها ...إنها تهذي ..يا الله ماذا سأفعل لا أحد في البيت يا الله ..لا نريدها أن تموت ..ثم سكتت..فنظرت اليها ويدي على خدها ماذا بك يا هدى ...؟فلم ترد علي بكلمة...واستلقت على السرير...فقلت: دواءك يا هدى.. أيضا لم ترد علي ..فأسرعت إلى جدي وأنا اطرق الباب وأنادي بصوت خائف مرتجف ..نريد أن نذهب بهدى إلى المستشفى إني لا أراها بخير إنها... كانت تهذي...ففتح الباب وكان يستمع إلي بهدوء فلم فلم يحرك ساكن غير إنه قال : أين هي الآن .. في غرفتها ..لا أعلم هل هي نائمة أم ...فسكت ...وأمسكت بذراعه واتجهت به إلى غرفتها المجاورة دخلنا الغرفة ووضع يده على جبينها وكان يتحسسها ...وأنا واقفة انتظر ماذا سيقول: فقال : إنها بخير وهي نائمة ...و رجع إلى غرفة ... فلم استطع أن انتظر فاتصلت بأمي لتأتي ألينا ولكن دون أن اخبرها بما صار معي..قلقت المسكينة من اتصالي المفاجئ ...ولكني حاولت ألا أرعبها ..وما هي إلاَ ساعة و هي عند الباب...فدخلت مهرولة إلى غرفتها ثم دخلت خلفها وأنا أقول لها : إنها نائمة.. ولكن أليس علينا أن نذهب بها إلى المستشفى ...فقالت: وهي واضعة يدها الحانية على جسدها تتحسسه ..بلى إنها مصابة بالحمى.. ألم تتناول دواءها ..لا يا أمي إنها رفضت..و..
اتصلت أمي على الدكتور تسأله إن كنا نستطيع إحضارها إلى المستشفى ..فقال:هل تنتظرون أن تستأذنون مني مادامت فيها الحمى فحالتها خطيرة ...هيا أسرعوا بها دون تأخير...أغلقت أمي السماعة ووجهها وكأن الدكتور أخبرها بموت أختي ...وهي تقول:حالتها خطيرة ....أختك تحتضر يا فاطمة.
توجهت كي أوقظها...فوجدتها والدموع تسيل من عينيها الناعستين والصمت يعبر عن حالتها...وأمي خلفي تراقبني ..وأحمد متسمر في مكانه ...فصرخت علية ..ليحملها إلى السيارة ...فكان واقف كالأبله ..ثم حملها إلى السيارة ...ونحن نتبعه ...وذهبنا بها مسرعين إلى المستشفى ...وفي منتصف الطريق...فاقت روحها إلى بارئها وهي تبتسم كأنها تقول ..لقد ارتحت ألآن..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق